خطب

خطبة عن ولكن اكثر الناس لا يؤمنون

الحمد لله ربِّ العالمين، خلق الخلق بالحق، وأنزل الكتاب بالحق، وأرسل الرسل بالحق، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً نرجو بها النجاة يوم الدين، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فكشف الله به الغمة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

أما بعد،
فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، واعلموا أن أعظم نعمة أنعم الله بها على عباده هي نعمة الإيمان، ومع ذلك يخبرنا الله تعالى في مواضع كثيرة من كتابه بقوله:
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾

جملة قصيرة، لكنها تحمل معنى عظيمًا وحقيقة مؤلمة؛
فمع وضوح الحق، وكثرة الآيات، وقيام الحجة، إلا أن أكثر الناس يُعرضون عن الإيمان.

عباد الله،
لقد تكررت هذه الآية ومثلها في القرآن كثيرًا، لتلفت انتباهنا إلى أن قلة المؤمنين ليست دليلًا على ضعف الحق، وأن كثرة المخالفين ليست دليلًا على صحة الباطل.

قال تعالى:
﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾
وقال سبحانه:
﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾

فالإيمان – عباد الله – ليس بالأغلبية، وإنما هو بالصدق مع الله، والاستجابة للحق.

قال تعالى:
﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾

آية ليست خبرًا فقط، بل صرخة قرآنية، تخبرنا أن طريق الإيمان ليس مزدحمًا، وأن طريق الغفلة هو الطريق الواسع الذي يسير فيه أكثر الناس!

عباد الله،
الحق واضح، والدليل قائم، والآيات تتنزل، والقرآن يُتلى، والمساجد عامرة، ومع ذلك… أكثر الناس لا يؤمنون!

لماذا؟
لأن الإيمان يحتاج إلى موقف، يحتاج إلى ثبات، يحتاج إلى أن تقول: نعم للحق ولو خالفك الناس، ولو خسرت دنياك كلها!

قال تعالى:
﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾
وقال سبحانه:
﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾

فلا تستوحش طريق الحق لقلة سالكيه، ولا تغتر بطريق الباطل لكثرة الهالكين فيه.

أيها المسلمون،
كثير من الناس يعرف الحق، لكنه يؤجله!
يعرف الصلاة، لكنه يتكاسل!
يعرف الحرام، لكنه يتهاون!
يعرف الآخرة، لكنه يعيش كأنها بعيدة!

قال تعالى:
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾

الإيمان – عباد الله – ليس كلمة تُقال، ولا اسمًا يُحمل، الإيمان نارٌ تحرق الشهوات، ونورٌ يهزم الظلمات، وقوةٌ تغير حياة صاحبها!

الإيمان أن تقوم للصلاة والناس نيام.
الإيمان أن تترك الحرام والفرصة أمامك.
الإيمان أن تثبت على الحق وأنت وحدك!

لماذا لا يؤمن أكثر الناس؟

أولًا: اتباع الهوى
قال تعالى:
﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾
فالهوى يعمي البصيرة، ويجعل الإنسان يرى الباطل حقًا والحق باطلًا.

ثانيًا: حب الدنيا والتعلق بها
قال النبي ﷺ:
«تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم»
فكثير من الناس يعلم الحق، لكنه يخاف أن يخسر منصبًا، أو مالًا، أو شهوة.

ثالثًا: التقليد الأعمى
﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾
يقلدون دون تفكير، ويرفضون الحق لأنه يخالف ما اعتادوا عليه.

رابعًا: الاستكبار عن الحق
قال تعالى عن إبليس:
﴿أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ﴾
فالكِبر يمنع صاحبه من الخضوع للحق ولو كان واضحًا كالشمس.

موقف المؤمن

أيها المؤمنون،
إذا علمنا أن أكثر الناس لا يؤمنون، فلا ينبغي أن نيأس، ولا أن نستوحش طريق الحق لقلة سالكيه.

قال النبي ﷺ:
«بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا فطوبى للغرباء»

فكن عبد الله من القلة المؤمنة، لا من الكثرة الغافلة، وكن ممن يستجيب لله ولو خالفه الناس جميعًا.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد، عباد الله،

إن قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
هو رسالة تحذير، ورسالة توجيه، ورسالة أمل.

تحذير:
أن لا نغتر بالكثرة، ولا ننخدع بالشائع والمنتشر.

وتوجيه:
أن نراجع إيماننا، هل هو إيمان صادق يظهر في أخلاقنا، وأعمالنا، وتعاملاتنا؟

وأمل:
أن الله لا ينظر إلى العدد، بل ينظر إلى القلوب، وإلى الصدق، وإلى الثبات.

تأملوا جيدًا قول الله:
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
كأنها تقول لك: لا تكن واحدًا من الأكثر، كن واحدًا من القلة!

لا تكن تابعًا للناس، بل كن تابعًا للحق.
لا تكن عبدًا للشهوة، بل كن عبدًا لله.
لا تقل: هكذا يفعل الناس، بل قل: هكذا أمر الله!

قال النبي ﷺ:
«لا تكونوا إمَّعة، تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم…»

عباد الله،
نحن في زمن كثرت فيه الفتن، وتزين فيه الباطل، وأصبح التمسك بالدين جهادًا، فطوبى لمن ثبت، وطوبى لمن لم يبدّل، وطوبى لمن قال: ربي الله ثم استقام!

قال تعالى:
﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾

فاسأل نفسك:
هل أنا ممن يؤمنون حقًا؟
هل يظهر إيماني في صلاتي؟ في أمانتي؟ في صدقي؟ في بعدي عن الحرام؟

اللهم اجعلنا من القلة المؤمنة، ولا تجعلنا من الكثرة الغافلة.
اللهم ثبت قلوبنا على دينك.
اللهم ارزقنا إيمانًا لا يرتد، ويقينًا لا يزول.
اللهم أصلح أحوال المسلمين، وردهم إليك ردًا جميلًا.

وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وأقم الصلاة.

محمد الشيخ

مطور تطبيقات، صانع محتوي، مسلم وإمام مسجد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى