Uncategorized

الصبر في الابتلاء: درسٌ قرآنيّ ونورٌ نبويّ (دليل المسلم)

الصبر في الابتلاء: درسٌ قرآنيّ، نورٌ نبويّ، وعزيمةٌ في القلب

مقدمة

للمسلم مع البلاءِ علاقةٌ مختلفةٌ عن علاقة غيره به. ليس البلاءُ عقوبةً محضةً، ولا هو علامةَ سخطٍ من الله على عبده؛ إنما هو ـ في أكثر وجوهه ـ سُنّةُ الله في عباده، لا يستثني به أحدًا من خَلقه، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 2].

ولذلك كان الصحابي الجليل صهيب الرومي رضي الله عنه يُحدِّث عن عَجَبٍ استوقفه النبي ﷺ، فقال: «عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ، إن أمرَهُ كلُّهُ خيرٌ، إن أصابتْه سرَّاءُ شَكَرَ فكانَ خَيرًا له، وإن أصابتْه ضرَّاءُ صَبَرَ فكانَ خَيرًا له» (رواه مسلم، 2999). وفي هذا الحديث ميزانٌ يُصلِح كثيرًا من سوء الفَهم: ما يصيب المؤمنَ ليس في الأصل شرًّا محضًا، بل ابتلاءٌ يمكن أن يصير ـ بيقينٍ ومَعرفة ـ طريقَ خير.

منزلةُ الصبر في القرآن

الصبرُ عند الله منزلةٌ عالية، قرن به اسمَه، وقرن به الفلاح، ووعد أهلَه بأجرٍ لا يُقدَّر: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]. ومن تأمَّل الآياتِ عرف أنها لا تَعِدُ بضعفِ الأجر، بل بأجرٍ يعجز الحساب، كأن الصبرَ بابٌ خاصٌّ من أبواب الله يُجازي فيه بغير قياس.

ولم تَكتَفِ آياتُ الصبر بالوعد، بل ذَكَرت مَلامِحَ أهله: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146]. وفي هذه الآية ملحَظٌ لطيف: «الله يحبُّ الصابرين»، فجعل حبَّه سبحانه قرينَ هذا الخُلُق، لا جزاءً عابرًا.

في السنةِ النبويّة

أما السُّنّةُ فقد فصَّلت ما أجمله القرآن، وجاءت بثمار حسّيّة للصبر في الدنيا والآخرة:

  • روى الترمذيُّ عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ والمؤمنةِ حتى يَلقى اللهَ وما عليه خطيئةٌ» (الترمذي، 2399، حديث حسن صحيح).
  • وفي الصحيحَين: «ما يُصيبُ المسلمَ من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ ولا هَمٍّ ولا حُزْنٍ ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتى الشَّوكةُ يُشاكُها، إلا كَفَّرَ اللهُ بها من خطاياه» (البخاري ومسلم).
  • وفي صحيح مسلم: «ما من مسلمٍ يُشاكُ شَوكةً فما فوقها إلا كُتِبَ له بها درجةٌ، ومُحِيَت عنه بها خطيئةٌ» (مسلم، 2572).

فإذا ضاقت بالمؤمن خطوبٌ، فليَذكُر أنه إنما يمشي في طريقٍ يُكَفَّرُ فيه الذنب، وتُرفَعُ فيه الدرجة، ويُبْتَلى به على خَير.

نماذجُ من القرآن

عرض القرآن أناسًا صبروا فأفلحوا، ومن أبرزهم:

أيوبُ عليه السلام ضرب اللهُ به المثلَ في البلاءِ والفرَج، وذلك حين نزَل به الضرُّ من كلِّ وجه، فلم يشكُ إلَّا إلى الله: ﴿إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83]. والعبرة هنا أنه لم يَسأل إزاحةَ البلاء قبل وقته، بل سأل الرحمةَ وهي أعمّ.

يوسفُ ويعقوبُ عليهما السلام صبرٌ طويل من أبيٍّ على فراقٍ طويل. يقول يعقوب لمن حوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ [يوسف: 18]. وحين فقد يوسفَ ثمَّ بصرَه، قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86]. شكوى إلى الله، لا شكوى إلى الخلق.

ثمراتُ الصبرِ في الدنيا والآخرة

ثمارُ الصبر تَظهر في العاجل والآجِل: في العاجل تجد المؤمنَ أَثبتَ وأَعمَقَ يقينًا، وفي الآجلة له ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: 22]. ولا تعارض بين الثمرتين، فالصبرُ في ابتلاء الدنيا ثمرةٌ ونَتيجةٌ ومَزروعُ بَذْرِه.

كيف نتحقّق به عمليًّا؟

لم يَترك اللهُ المؤمنَ بغير معالمَ. أوّلُها أن يُراجِعَ لسانَه عند المصيبة، فيقول كما قال المؤمنون: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]. وثانيها أن يَجعلَ للصبر معنىً توكلًا، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]. وثالثُها ألّا يَستعظمَ البلاءَ باستحضارِ حالِ المؤمنين السابقين: كم من مؤمنٍ صبرَ وأُذِنَ له في الفرَج بعد مَشِقَّة، وكم من مسرورٍ أُتبِعَ بِبَلاَءٍ لم يَحتسبه.

وفي خاتمةِ هذا، أُنبِّه القارئَ الكريمَ: إني تعمَّدتُ إجازةَ الأحاديثِ في كلِّ موضعٍ بنصّها وراويها ودرجتها ومصدرها، وخَشيْتُ أن أُورِدَ أحاديثَ شائعةً عن ألسنةِ الوعّاظِ دون تخريجٍ موثوق، كحديث «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن» في صيغته المعروفة على ألسنة الناس — فرأيتُ ألا أُورِدهُ دون تثبّتٍ من سنده. ومَن أراد التفصيل فعليه بأهلِ العلمِ المُعتمَدين.

نسألُ اللهَ أن يجعلنا من الصابرين، وأن لا يكلَفَنا فوق طاقتِنا، وأن يجعلَ البلاءَ علينا برَكةً وتمحيصًا ورفعَ درجاتٍ.


(التخريج المُختصر في هوامش المقال: كلُّ آيةٍ من المصحفِ الشريف رواها حفصٌ عن عاصم. الأحاديث صريحة المصدر والدرجة. تجنَّبتُ الفتاوى الفرعيةَ وأقوالَ العلماءِ دون تخريجٍ موثوق.)

محمد الشيخ

مطور تطبيقات، صانع محتوي، مسلم وإمام مسجد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى